الاثنين، 6 أبريل، 2015

حَجَر دافئ



حَجَر دافئ

تشى غفارا في رثاء والدته في وقت وجوده في الكونغو ١٩٦٥ 
ترجمة: دينا ربيع
عن الإنكليزية عن ترجمة عن الإسبانية لبلار أغيليرا

أتاني بالخبر كما يجب أن يؤتاه رجل في موقع المسئول كمثلي، كنت ممتناً لأنه لم يحاول أن يخفي قلقه واهتمامه، أما أنا ولم أُظهر قلقي فقد مرّ الأمر ببساطة. 
 كان عليّ أن أنتظر تأكيداً للخبر قبل أن أنتحب. هل يحق لي البكاء قليلاً؟ لا، لا، القائد ليس له مشاعر، لا يجب عليه أن يظهرها كعساكره على الأرجح.

"- اتصلت بي صديقة للعائلة لتخبرني بأن المرض قد اشتد، لكني لم أكن هناك ذلك اليوم.
-هل يعني ذلك أنها ستموت؟
-أظن ذلك.
-أخبرني لو عرفت أي شيء آخر.
-سأفعل لو حصل، لكني لا أرى أي أمل."

تركني رسول الموت ولم أحصّل تأكيداً. ما كان لي إلا أن أنتظر. وعندما أتاني الخبر اليقين فكرت أن أحتفي بحزني أو أخفيه، واخترتُ أن أخفيه.

شمس الصباح تصرع المطر وما من أمر غريب هنا فالشمس تعنّ بعد المطر كل يوم، تجعل من نفسها جسداً محسوساً وتبخّر العطب.

بعد الظهر يعود الدفق البلوري لمجرى النهر مرة أخرى، لم تكن الأمطار على الجبل غزيرة في ذلك اليوم.

"- قالوا لن تمطر من بعد 20 مايو حتى أكتوبر.
- هذا كلامهم، كثير منه غير صحيح."

هل كانت الطبيعة لتلتزم بمفكرة التقويم؟ لا أهتم.. لا أهتم بأي شيء على الإطلاق.. لامبالاة قسرية، وحرب بلا هدف.. ربما كان للحرب هدف، لكنه مبهم.
أياً كان هدفها فهو متعذّر المبلغ كجحيم سوريالي حيث الملل عقاب أبدي.

"يجب أن أجد طريقاً للخروج"، قلت لنفسي. ما أسهل أن تحل أمراً ما معقداً في عقلك، تؤسس ألف خطة، كل واحدة أكثر إغراءً لك من أختها، تختار أفضل ثلاث، تبسطهم وتلخصهم على الورق، وذا كل شيء.

أما هم، فلديهم بيروقراطية حكيمة لم أر مثلها من قبل، إنهم يخفون الملفات بدلاً من تجميعها والعمل عليها، قال بعض رجالي إنهم يدخنونها، يمكنهم تدخين أي ورقة ما دامت تحوي شيئاً ما.

كانت لحلولي العقلية المتخيلة هذه ميزة؛ يمكنني أن أغير ما لا يعجبني في خططي التالية، ولن يلحظ أحد شيئاً!

 أردت أن أدخن فسحبت غليوني الذي كان دائماً في جيبي، لم أضيّعه أبداً مثلما يفعل عساكري، كان مهماً جداً بالنسبة لي، يقطع المرء مسافات بين مسارات الدخان، يصنع الخطط، ويتخيل النصر بغير أن يبدو بعيداً كحلم، وإنما حقيقة ضبابية نادية بفعل خيوط الدخان، الغليون جليس صالح، كيف يضيعونه؛ هؤلاء الدواب!

يقتلهم العمل تعباً فلا يفكرون، وما الغليون إلا للفكر. يحلم المرء بمستقبل ليس له مسلك إلا في الضباب، أو بماضٍ بعيد يكاد ينساه لولا أن يرجع إليه في الدخان.

أشواق ملحّة تعنّ في سائر الجسد. أما عساكري فلهم أرجل قوية وعيون ثاقبة، لا يحتاجون للدخان، ولذلك يضيعونه، المرء لا يضيّع ما يحتاجه.

هل لدي شيء آخر كذا؟ آه، وشاح الشاش، أعطتني إياه في حال كُسِرت ذراعي فيكون حبل غرام واصل، ولكن ماذا لو كسرت جمجمتي؟ بحل بسيط ألفه حول رأسي لأربط فكيّ وأذهب به هكذا إلى مثواي الأخير، مخلِصاً حتى الموت.
أما إن تُركت ملقى على جانب الجبل أو التقطني أحدهم، فلا داعي لوشاح الشاش، سأتحلل على العشب، أو ربما سيعرضون جثتي في مجلة "الحياة" ونظرة الموت اليائسة ثابتة في عيوني في لحظة ذعر، كلنا نخاف، لماذا لا نعترف بهذا؟

تبعت درباً قديمة في خيوط الدخان إلى أن وصلت إلى أكثر جوانب خوفي حميمية، حيث الاتصال بالموت؛ هذا العدم المربك الذي لا يمكن تفسيره، مبهم، مهما اكتفينا كماركسيين لينينيين بوصفه -عن قناعتنا- بالعدم.. ما هو هذا اللاشيء؟ هو العدم .. الرد الأسهل والأكثر إقناعاً. أقفل عقلي وألبسه وشاح السواد في فضاء من النجوم البعيدة، هذا هو العدم عندي، نظير اللانهائية. ينجو فرد من الجنس البشري في التاريخ، هذا الشكل المدهش من الحياة، يخْلُد في الخصال والذكريات، إذا سرت رعشة في أوصالك عندما يؤتى على ذكر أنطونيو ماسيو فتلك حياة بعد العدم. 

لا أود أن أعيش في أولادي، إنهم لا يعرفونني، إنْ أنا إلا جسد غريب يعكر سلام وجودهم من وقت لآخر ويحول بين أمهم وبينهم. أتصور ابنتي الكبرى بشعر رمادي تهمس: "لم يكن أبوك ليفعل هذا أو ذلك." كطفل لأبي، كان لدي حس ثوري هائل، لم أكن أتوقع أنني سأتساءل عن مدى صحة فعل كذا أو كذا كأب، هل يجب على الأب أن يصيب دائما؟ لو كنت ابني لاختنقت بذكرى أبي، تلك التي تعنّ لي كعفريت طيلة الوقت. ليكن ولدي إنساناً فقط لا أفضل ولا أسوأ مني، إنساناً فقط. كم كنت ممتناً لوالدي لأنه حررني من عبء العواطف المحملة ببواعث إصلاح الذات، وتقويم السلوك، ووجع الضمير. وأما أمي.. تلك العجوز البائسة التي لم يكن قد وصل إلي تأكيداً رسمياً يؤهلني بعد لأبكيها.. كنت هائماً هكذا حين قاطعني أحد العساكر منشرحا بما معه من خبر: -"هل فقدت شيئاً ما؟" 
-"لاشيء."
 استرجعت اللاشيء الذي كان في استغراقي قبل أن يقاطعني بخبره ..
 -"راجع نفسك."
تحسست جيوب بدلتي، كل شيء في مكانه.
-"لاشيء."
-"وهذا الحجر؟ رأيته قبل هذا في حلقة مفاتيحك."
-"يا ضيعتي!"

صرعتني نفسي باللوم تلك الليلة، لا يضيِّع المرء ما يهمه، ما يحييه. هل يتنفس المرء الحياة حين لا تكون للأشياء عنده أهمية؟

نعم، ربما إذا كان جزرة، لا كائناً أخلاقياً له نشاط سلوكي وروحي متطور، هذا ما أعتقده على الأقل.

لسعتني رعشة الذكرى، دقَّقت في جيوبي يابساً بينما الماء  يسري من تحتي معتماً بتربة الجبل وسرِّه معا.

كان الغليون هناك، والأوراق، والوشاح الذي أعطتني زوجتي إياه، وموسع الشعب الهوائية*، والأقلام، والدفاتر في غطائها البلاستيكي، وعلبة الكبريت كذلك موجودة. ذابت الرعشة.

أحضرتُ معي تذكارين فقط إلى المعركة؛ الوشاح الذي أعطتني زوجتي إياه، وحلقة مفاتيح اعتيادية غير مكلفة بها فص صغير، أهدتنيها أمي. وانفك الحجر في جيبي.

هل يشفق النهر على مجراه في سريانه أم أنه ثائر عليه؟ لعله بلا مشاعر كالقائد، فاتر لا يبكي لأنه لا يجب عليه أن يبكي أو لأنه لا يستطيع. لا يحق له أن ينسى حتى في وسط المعركة، لا يلبث أن يتلبّسَه قناع الذكر الألفا. لا أعرف، كل ما أعرفه هو أنني أريد أمي، أريد أن أريح رأسي في حضنها بارز العظم، وأسمعها تسميني رفيقها القديم، وتربت على شعري بيدها الرثة كأني دمية صغيرة. تنبعث الطراوة من العينين والصوت، تَعْثُر في القنوات المكسورة التي لم تعد تحتملها إلى الأطراف أبداً، ترتعش اليد وتلامس بدلاً من أن تربّت، لكن لا أزال أستشعر الطراوة الأولى، فأشعر بالضآلة، فأشعر بالقوة. لن أطلب منها أن تسامحني فهي تعرف كل شيء، وتسميني "الرفيق القديم". 

-"هل تجده قوياً جداً؟ أنا أيضاً، كدت أقع أمس وأنا أقوم، لم يجفَّف جيداً على ما يبدو."
-"نعم، هذا التبغ سيء جداً، سأنظر في الطلب لعلهم يجلبون قَطْعاً يصلح للتدخين غداً."

يعنُّ للمرء أن يدخن، قليلاً، ولو هذا الغليون السائغ الوديع فقط...

*  *  *
* كان تشى غِفارا مصاباً بالربو.

دينا ربيع () كاتبة من مصر.

السبت، 20 سبتمبر، 2014

غداً، يتحدث سارتر!


إدوارد سعيد
ترجمة: عبد الرحمن محمد

ظهر النص الأصلي في لندن ريفيو أوف بوكس،
 الأول من يونيو، عام 2000


كان جان بول سارتر، قديماً، المثقف الأشهر، وصار مؤخراً طي النسيان. بعد وفاته عام 1980 بقليل، هوجم لغضّه البصر عن الغولاغ السوفييتية، وحتى وجوديته الإنسانية صارت عرضة للسخرية بسبب تفاؤلها، وعنادها وحيويتها التي تجعلها في متناول "الجميع". صارت مسيرة سارتر –بالكامل-مصدر ازعاج لمن جرى تسميتهم بالفلاسفة الجدد، الذين لم تتجاوز منجزاتهم المتواضعة بعضاً من معاداة محمومة للشيوعية لأجل لفت الانتباه. وما بعد البنيويين، وما بعد الحداثيين الذين قفزوا إلى نرجسية تقنية متجهمة، على خلاف بيّن مع شعوبية سارتر وسياساته البطولية الجماهيرية.

تشعّب منجزات سارتر، كروائي، كاتب مقال، كاتب مسرحي، كاتب سير ذاتية، فيلسوف، مثقف سياسي وناشط ملتزم، كان باعثاً على النفور أكثر من الجذب. وبعدما كان الأكثر اقتباساً من بين "الأساتذة الفرنسيين"، صار، في غضون عشرين عاماً، الأقل قراءة وتحليلاً. مواقفه الشجاعة حيال الجزائر وفيتنام صارت منسية، وكذلك بات نشاطه الحقوقي نيابة عن المظلومين، وظهوره الجريء كماويّ راديكالي في مظاهرات الطلبة بباريس عام 1968، وكذلك بُعد نظره وتميّزه الأدبي (الذي نال عن كليهما جائزة نوبل للآداب، ورفضها). لقد صار نجما سابقا مُهاناً، عدا في العالم الأنجلو-أمريكي، الذي لم يؤخذ فيه بجدية قط كفيلسوف، بل قُرِئ دوماً بتعال، وعومل كروائي عَرَضي وكاتب مذكرات ظريف، شيوعي إنما ليس بما فيه الكفاية، ولا يتمتع بذات القدر من الشياكة والإقناع الذي يحظى به -الأقل موهبة منه بكثير-ألبير كامو.


ألبير كامو وسارتر

ثم، كما الحال مع الكثير من الأشياء الفرنسية، عادت الموضة أدراجها، أو هكذا بدا الأمر عن بُعد. وظهرت عدة كتب حوله، ومرة أخرى صار (ربما لبرهة قصيرة فحسب) موضوع حديث، إن لم يصبح بالضبط موضوعا للدراسة والتأمل. بالنسبة لجيلي، كان دوماً أحد أعظم الأبطال المثقفين للقرن العشرين، رجل كان نظره الثاقب وألمعيته الثقافية معين لا ينضب لأجل كل القضايا التقدمية في عصرنا، مع ذلك لم يكن أبدا معصوما من الخطأ أو نبياً. بالعكس، المثير للإعجاب بشأنه أنه كان يبذل مجهودا دوماً لفهم المواقف ولتقديم التضامن للقضايا السياسية عند الضرورة. لم يكن متعالياً أبداً أو مراوغاً، وحتى إن كان قد سقط في الخطأ أو المبالغات. كل شيء كتبه، تقريباً، كان مثيراً للاهتمام، لجرأته المطلقة، وتحرره (حتى ولو كان تحرراً في الإطالة) ولروحه السخية.

هنالك فحسب استثناء جليّ، أرغب في سرده هنا. إنني مطالب بذلك إثر اثنتين من المناقشات المثيرة، إن لم تكن المثبطة، حول زيارة سارتر لمصر في أوائل عام 1967، والتي ظهرت الشهر السابق في الأهرام-ويكلي. واحدة كانت مراجعة لكتاب برنارد-هنري ليفي الأحدث حول سارتر، والأخرى كانت مراجعة لتوثيق الراحل لطفي الخولي لزيارة سارتر إلى مصر (الخولي، مثقف مؤثر، كان ممن استضافوا سارتر في مصر). تجربتي البائسة مع سارتر كانت نقطة ضئيلة في حياة هائلة، ولكنها تستحق الذكر لمفارقاتها وحدّتها.

كان ذلك في أوائل يناير 1979، وكنت في بيتي بنيويورك أحضّر لإحدى محاضراتي. دقّ جرس الباب يعلن عن وصول برقية، وبينما أمزقها لاحظت باهتمام كونها من باريس. "أنت مدعو من Les Temps modernes (لو تمب مودرن) لحضور ندوة حول السلام في الشرق الأوسط، في باريس 13 و14 مارس هذا العام. نرجو الرد. سيمون دوبوفوار وجان بول سارتر."


سيمون دي بوفوار وسارتر

للوهلة الأولى ظننت أنها مزحة، من نوع ما. ربما كانت لتكون كذلك دعوة من كوزيما وريتشارد فاغنر للمجيء إلى بيروت، أو من  تي. إس. إليوت وفرجينيا وولف لقضاء عصرية في مكتب The Dial  (ذا دايل). استغرق الأمر مني يومين كي أتأكد من عدة أصدقاء، في نيويورك وباريس، أن الدعوة جادة. ووقتاً أقل من ذلك بكثير لأرسل إليهم موافقتي غير المشروطة (وكان هذا بعدما عرفت أنه الموداليتيه، كناية فرنسية عن تكاليف السفر، سوف تتحملها لو تمب مودرن بالكامل، الجريدة الشهرية التي أسسها سارتر بعد الحرب). وبعد أسابيع عرجتُ على باريس.

لعبت اللو-تمب-مودرن دوراً استثنائياً في الحياة الثقافية الفرنسية، والأوروبية، وفيما بعد، العالم-ثالثية. جمع سارتر حوله ثلة خلابة من العقول – ولم يكن جميعهم متفقاً معه – حوت جماعته بوفوار، بالطبع. وخصمه اللدود ريمون آرون، الفيلسوف المرموق وزميل الإيكول نورمال موريس مِرلو-بونتي. (الذي ترك المجلة بعد سنوات)، وميشيل ليريس، إثنوغرافي وباحث إفريقي ومنظّر شرس. وليس ثمة موضوع هام لم يكن لسارتر وجماعته تعليقٌ عليه، بما في ذلك الحرب العربية – الإسرائيلية عام 1967، التي أدّت إلى خروج إصدارٍ تذكاري ضخم للو-تمب-مودرن، الذي كان بدوره موضوعاً لمقالة رائعة كتبها إ.ف.ستون. وذاك فحسب جعل رحلتي لباريس سابقة مثيرة للاهتمام.

حين وصلت، وجدت خطاباً قصيراً من سارتر وبوفوار ينتظرني في الفندق الذي حجزت به، بالحي اللاتيني. "لأغراض أمنية." تقول الرسالة: "سوف ينعقد اللقاء بمنزل ميشيل فوكو." وبدافع الواجب، زودوني بعنوان، والعاشرة صباحاً اليوم التالي وصلت لشقة فوكو ووجدت عدداً من الناس – ليس بينهم سارتر-محتشدين. ولم يشرح أحد أبداً ما هي تلك "الأسباب الأمنية" الغامضة، التي أدّت إلى تغيير مكان الانعقاد. ونتيجة لهذا حامت أجواء مؤامراتية حول اجتماعنا. بوفوار كانت هناك بغطاء رأسها الشهير، تحاضر كل من سمع برحلتها القادمة إلى طهران مع كيت ميليت، حيث كانا يخططان للتظاهر ضد الشادور، وجدت الفكرة برمتها سخيفة ومتعالية، ورغم أنني كنت متحمساً لسماع ما تود بوفوار قوله. لاحظت أنها كانت مغرورة للغاية وبعيدة كل البعد عن أي جدل عقلاني حول هذا الموضوع. إلى جانب أنها رحلت بعد ساعة أو أكثر (قبل أن يصل سارتر مباشرة) ولم تُر ثانية.


ميشيل فوكو وسارتر

أوضح فوكو لي أنه لن يشارك بالندوة وأنه سوف يغادر رأساً لأجل نوبته البحثية اليومية في المكتبة القومية. سرّني أن أجد كتابي "بدايات" على رف مكتبته، التي كانت وفيرة بكم مرتّب جيداً من المواد، بما في ذلك المنشورات والجرائد. ورغم أننا دردشنا سوياً بودّ أدركت بعد مدة طويلة (في الواقع، عشر سنوات تقريباً بعد وفاته عام 1984) لماذا أعرض عن مناقشة أي شيء معي يتعلق بالصراع في الشرق الأوسط. في سيرهم الذاتية عنه، أفصح ديديه إريبون وجيمس ميلر أنه كان يدرّس في تونس عام 1967 وأنه قد غادر البلاد على عجل، بعد حرب يونيو بوقت قصير. علل فوكو مغادرته حينها بخشيته من أعمال الشغب المعادية للسامية والمعادية لإسرائيل، التي كانت ظاهرة شائعة في كل مدينة عربية أعقاب نكسة 67. ولكن زميلة تونسية له بجامعة تونس قسم الفلسفة أخبرتني بقصة مختلفة في بدايات التسعينيات: فوكو، قالت، تم ترحيله بسبب مغامراته المثلية مع الطلبة. ليس لدي فكرة بعد عن أي من الحكايتين هو الصحيح.

في ندوة باريس، أخبرني أنه قد عاد لتوه من إقامة مؤقتة في إيران مبعوثاً لصحيفة "الكوريري ديلا سيرا"، "مثير جداً، غريب جداً، جنوني!" هكذا أتذكر كلماته عن الأيام الأولى للثورة الإسلامية. أظن (ربما كنت مخطئاً) أنني سمعته يحكي عن تنكره في طهران مرتديا شعراً مستعاراً، رغم أنه بعد فترة قصيرة من ظهور مقالاته، نأى بنفسه فوراً عن كل ما له علاقة بإيران. وقد أخبرني "جيل دولوز" -في أواخر الثمانينيات-أنهما قد افترقا هو وفوكو بعدما كانا صديقين حميمين، بسبب خلافهما حول القضية الفلسطينية، كان فوكو مؤيدا لإسرائيل، أما دولوز فقد كان في صف الفلسطينيين.

من اليسار لليمين: جيل دولوز، سارتر، وفوكو

كانت شقة فوكو، رغم اتساعها ورحابتها، شديدة التقشف والبياض، مُعدّة لتناسب عزلة وصرامة الفيلسوف المفكر الذي كان يسكنها وحده كما يبدو، قليل من الفلسطينيين واليهود الإسرائيليين كانوا هناك. من بينهم ميّزتُ إبراهيم الدقّاق، والذي صار صديقاً مقدسياً مقرّبا إليّ منذ ذلك الحين، نافز نزال، معلّم في بير زيت والذي عرفته بشكل سطحي فحسب في الولايات المتحدة الأمريكية، ويهوشوفات هارقابي، الخبير الإسرائيلي الرائد في الإلمام بـ "العقل العربي"، رئيس سابق للمخابرات العسكرية الإسرائيلية، طردته غولدا مائير لتسببه بوضع الجيش في حالة تأهب عن طريق الخطأ. قبل ذلك بثلاثة سنوات، كنا زملاء في مركز ستانفورد للدراسات المتقدمة في العلوم السلوكية، ولكن لم تنشأ بيننا علاقة ذات قدر. لقد كان تواصلنا دوماً مهذباً ولكنه بعيد كل البعد عن الوديّة. في باريس، كان يعمل على تغيير موقفه، ليصبح حمامة السلام الريادية لإسرائيل، رجل سوف يصبح فيما بعد مؤيداً صريحاً للـ "الدولة المنفصلة للفلسطينيين"، وقد كان يراه حلاً في صالح إسرائيل من الناحية الاستراتيجية. بقية المشاركين في الندوة كانوا غالباً من اليهود الإسرائيليين أو الفرنسيين، بينهم من كان شديد التدين ومن كان شديد العلمانية. رغم أنهم جميعاً كانوا صهاينة بشكل أو بآخر. منهم، إيلاي بن غال، بدا لي على معرفة وطيدة بسارتر: وقد عرفتُ فيما بعد أنه كان مرشداً لسارتر في رحلته السابقة إلى إسرائيل.

حينما ظهر الرجل الكبير أخيراً، كان متخلّفاً كثيراً عن الموعد المحدد، وقد صدمني كم كان عجوزاً ومتهالكاً. أتذكّر أنني قدّمت فوكو له – بسذاجة، ودون حاجة لذلك، وأذكر أن سارتر قد كان محاطاً، ومدعوما، ومدفوعاً باستمرار، بحاشية صغيرة من الناس الذين كان معتمداً عليهم بشكل كامل. وقد جعلوه بالمقابل التجارة الأساسية لحياتهم. من بينهم كانت ابنته بالتبني، التي كانت جلاده الأدبي في الوقت نفسه، كما علمت فيما بعد. وعلمت أنها كانت من أصول جزائرية. وأيضاً، كان هنالك بيار فيكتور، ماويّ سابق ومؤسس مشترك مع سارتر لحزب الـ"اليسار البروليتاري" –المنحلّ الآن-، الذي صار متديناً، و يهودي متشدد، كما افترضتُ. وقد أدهشني فيما بعد اكتشافي، الذي أطلعني عليه أحد المساعدين في المجلة أنه كان مصريا يهوديا يدعى "بينّي ليفي"، شقيق عادل رفعت (المولود باسم إدّي ليفي)، عادل رفعت ذاك كان أحد إثنين ممن اصطلح على تسميتهما الثنائي "محمود حسين"، الآخر كان بهجت النادي، مصري مسلم، وقد استخدما هذا الاسم المستعار "محمود حسين"، ليظهر به كتابهما "الصراع الطبقي في مصر"، (دراسة شهيرة نشرتها ماسبيرو). لم يبد أنه ثمة أي شيء مصري حيال فيكتور: لقد قدّم نفسه كمثقف يساري، نصف-مفكر، ونصف-محتال. والثالثة كانت هيلين فون بيولوف، امرأة ثلاثية اللغة عملت بالصحيفة وكانت تترجم كل شيء لسارتر. ورغم قضاءه بعض الوقت في ألمانيا وكونه لم يكتب فحسب عن هايدغر، بل عن فوكنر ودوس باسّوس كذلك، لا يجيد سارتر الألمانية ولا الإنكليزية. كانت امرأة ودوداً وأنيقة، بقت فون بيولوف بجانب سارتر طوال يوميّ الندوة، تهمس بترجمات فورية في أذنه. وعدا ذلك الفلسطيني من فيينا الذي لم يتكلم سوى العربية والألمانية، كان نقاشنا كله بالإنكليزية. أما عن القدر الذي فهمه سارتر فعلاً من هذا كله، فلن أعرف قط، ولكنني وغيري كنّا شديدي القلق نظراً لأن سارتر بقي صامتاً طوال اليوم الأول من الندوة. ميشيل كونتا، مؤرخ سارتر، كان هناك كذلك ولم يشارك.

ما اعتبرته تماشياً مع العادة الفرنسية، كان الغداء – والذي كان سيستغرق ساعة أو نحوها في الظروف العادية-عملية معقدة للغاية دارت أحداثها في مطعم قريب، ونظراً للأمطار الغزيرة، استغرق نقل الجميع بسيارات أجرة، والجلوس خلال وجبة من أربع مراحل، ثم إعادة الجميع إلى الشقة، ثلاث ساعات ونصف تقريباً. وهكذا استمرّت نقاشاتنا حول السلام، في اليوم الأول، مدة قصيرة نسبياً. حُددت محاور الحديث بواسطة فيكتور من دون استشارة أي شخص آخر، كما لاحظت. وقد شعرتُ مبكراً أنه كان يطبق قانونه الخاص، لما يتمتع به من مكانة لدى سارتر، (وقد كانا يتهامسان سوياً من حين لآخر)، ولما يتمتع به من ثقة عمياء بنفسه. قد كنا في صدد مناقشة: (1) أهمية معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل (كان ذلك في أيام كامب ديفيد)، (2) السلام بين إسرائيل والعالم العربي عموماً، و(3) المسألة الجوهرية المتعلقة بمستقبل العيش المشترك بين إسرائيل وما يحيطها من عرب. لم يكن أي من العرب سعداء حيال هذا. وشعرت أن قضية الفلسطينيين قد تم تجاوزها عمداً. وكان "دقاق" غير مرتاحاً لهذا الإعداد، وغادر بعد اليوم الأول.

بينما يمضي اليوم، اكتشفتُ شيئاً فشيئاً أن قدر كبير من المفاوضات كان قد حُسم من قبل كي تتجه الندوة إلى نتيجة معينة، وأي مشاركة من العرب كان قد تم التلاعب بها، وتقليصها من قبل كل تلك المعالجات والنوايا المسبقة حيال موضوع الندوة. وقد كدّرني نوعاً أنه قد تم استبعادي من كل هذا. ربما كنت ساذجاً جداً – متحمساً للغاية للذهاب لباريس ومقابلة سارتر، فكرتُ. كان ثمة حديث حول مشاركة إيمانويل ليفيناس، ولكن، مثلما وعدونا بحضور عدد من المثقفين المصريين، لم يظهر أبداً في الندوة. في أثناء ذلك سُجّلت نقاشاتنا ونُشرت لاحقاً في عدد خاص من لو تمب مودرن (سبتمبر 1979). وجدتُ هذا غير مرضياً البتة. كنا نعالج أرضاً مشتركة بشكل أو بآخر، دون أي لقاء فعلي بين العقول.

خيبت بوفوار أملي بشكل ذريع، حينما خرجت منتفضة من الحجرة في فقاعة متعالية من التحيزات المسبقة حول الإسلام والحجاب. في ذلك الوقت لم أندم على غيابها، ولكن فيما بعد صرت مقتنعاً أن وجودها كان ليجعل الأجواء أكثر حيوية. كان وجود سارتر سلبياً، على نحو غريب، متواضعاً، بلا أثر. لم يقل أي شيء على الاطلاق طوال ساعات. خلال الغداء، جلس قبالتي، بدا بائساً وعصياً على التواصل تماماً. بينما يسيل المايونيز والبيض على ذقنه. حاولتُ بِدء محادثة معه، ولكن دون جدوى. ربما كان أصم، ولكنني لست متأكداً. في كل الأحوال، بدا لي كنسخة شبحية من ذاته السابقة، بقبحه العتيد، غليونه وملابسه التي تتدلّى منه مثل ستائر على مسرح مهجور. كنتُ نشطاً جداً في مضمار السياسة الفلسطينية ذلك الوقت، في 1977 أصبحتُ عضواً في المجلس القومي، وخلال زياراتي المتكررة لبيروت (وكان ذلك أثناء الحرب الأهلية اللبنانية) كي أزور أمي، التقيت بعرفات بانتظام، وأغلب القادة الآخرين لذلك الزمان. عددته انجازاً عظيما إن استطعت حث سارتر على الادلاء بتصريح مؤازر للفلسطينيين، أثناء فترة زمنية "صاخبة" من حربنا الدامية مع إسرائيل.

خلال الغداء كنت واعياً بحضور بيار فكتور في الندوة كناظر محطة قطار، وكان سارتر نفسه أحد قطاراتها. كانا ينهضان سوياً من حين لآخر، بينما يقود فيكتور الرجل العجوز المتثاقل بعيداً، يحادثه عنوة، مستخلصاً منه إيماءة أو اثنتين، ثم يعودان. في الوقت ذاته، كان كل عضو من أعضاء الندوة يرغب في الإدلاء بدلوه، مما عرقل تطور النقاش كثيراً، رغم ذلك فقد ظهر لي سريعاً أن دعم إسرائيل (ما يسمّى اليوم التطبيع مع إسرائيل) كان موضوع اللقاء الحقيقي، وليس العرب أو الفلسطينيين.

العديد من العرب قبلي أمضوا وقتاً طويلاً في محاولات استمالة – أو اقناع-أحد المشاهير بعدالة قضيتهم، على أمل أن يتحول إلى آرنولد توينبي أو شين مكبرايد آخر. بعض من هؤلاء فعل. لقد توسّمت خيراً في سارتر بسبب موقفه من الجزائر، والذي كان أصعب عليه لكونه فرنسياً، من أن يكون له موقف منتقد لإسرائيل. وقد كنت مخطئا بالطبع.

كلما استمرت النقاشات الطنانة وغير المجزية، حاولت تذكير نفسي أنني قدمت إلى فرنسا كي أستمع إلى سارتر، وليس إلى آراء أناس أعرفهم من قبل ولن يقدموا لي أي جديد. لهذا قاطعت النقاش بوقاحة مبكراً في الأمسية وأصررت على أن نسمع من سارتر حالاً. وقد سبب هذا ذعراً بين حاشيته. انفضّت الندوة ثم عُقدت مشاورات عاجلة بينهم. وجدت الأمر برمته هزلياً ومثيراً للشفقة في الآن ذاته، خاصة أن سارتر لم يكن له دور في هذه المداولات. وأخيراً استدعانا بيار فكتور إلى الطاولة وقد كان بادياً عليه الحنق، وصرّح بنبرة منذرة تليق بسيناتور روماني: « Demain Sartre parlera » (غداً، يتحدّث سارتر). وهكذا قعدنا جميعاً في تأهب حثيث لليوم التالي.

أعدّ لنا سارتر شيئاً بلا شك: نص جاهز من ورقتين مطبوعتين – وأكتب هذا معتمداً على ذكرى عمرها عشرين عاماً-والنص أشاد بشجاعة أنور السادات مستخدماً أبشع التفاهات المبتذلة التي يمكن تخيلها. لا أتذكر الكثير من الكلمات التي قيلت في شأن الفلسطينيين، أو عن الأرض، أو عن الماضي المأساوي. وبلا شك، ليس ثمة أي ذكر لسياسة الاستيطان الاستعمارية الاسرائيلية، وهي شبيهة إلى حد كبير بالممارسات الفرنسية في الجزائر. ولم يتضمن من معلومات إلا ما قد تتضمنه إفادة لرويترز. من الواضح أن فيكتور – المفضوح – هو من كتبها ليخلّص سارتر من الورطة التي أوقعته فيها.

كنت محطماً للغاية فيما أكتشف أن هذا المثقف البطل صاحب المواقف القوية المؤازرة للمظلومين والمقموعين، قد استسلم في نهاية حياته لمرشد رجعي كفيكتور، وأنه لم يكن لديه أي شيء ليقدمه حول مسألة فلسطين سوى ثناء تقليدي وصحافي لقائد مصري قد نال بالفعل كل ما يمكن من احتفاء.

تقوقع سارتر في صمته لبقية اليوم، وبقي حال النقاشات على ما هو عليه. تذكرت قصة مزعومة حول ذهاب سارتر إلى روما منذ عشرين عاماً ليقابل فانون (حين كان يحتضر باللوكيميا) وحظي معه بحوار حارّ محتد حول المآسي الجزائرية لست عشرة ساعةَ متواصلة (كما زُعم)، حتى أجبرته سيمون على التوقف. هذا الـ"سارتر" قد راح للأبد.

فرانز فانون

وجدت أن مداخلة سارتر قد شُذّبت أكثر في نص الندوة الذي نُشر بعد أشهر قليلة. لا أدرى ما السبب، ولم أحاول أن أعرف. ورغم أنني لازلت أملك ذلك العدد من لو تمب مودرن حيث ظهرنا جميعاً، لم أستطع اجبار نفسي على قراءة إلا النذر اليسير منه، بدا لي شديد السطحية وعديم النفع. وهكذا ذهبت إلى باريس لأستمع إلى سارتر بنفس تلك الروح التي تمت بها دعوة سارتر إلى مصر، كي يُرى برفقة مثقفين عرب –ولكن النتائج كانت ذاتها، وقد كان لقائي به أسوأ نظراً لتلوثه بوجود وسيط مزعج هو بيار فيكتور، الذي اختفى بعدها في ظلمة قد استحقها تماماً. كنت حينها – هكذا فكّرت-مثل فابريس في بحثه عن معركة ووترلوو-غير موفّق ومحبط.

منذ أسابيع تعثّرت بحلقة من برنامج "بوييون دو كلتور" الأسبوعي الذي يقدمه برنار بيفو على التلفاز الفرنسي، ويُنقل إلى الولايات المتحدة بعدها بوقت قصير. الحلقة كانت عن إعادة التأهيل البطيئة التي يمر بها فكر سارتر بعد وفاته في مواجهة النقد المستمر لخطاياه السياسية. برنار هنري ليفي، شتّان بينه، وبين سارتر، من ناحية التفوق العقلي والشجاعة السياسية، كان هناك ليجلد بدراسته الفيلسوف الأكبر سناً. (أعترف أنني لم أقرأها، ولا أخطط لذلك قريباً.) "لم يكن سيئاً جداً حقاً." قال برنار هنري ليفي بتعال، "ثمة أشياء له، على كل حال، مثيرة للإعجاب دوماً، وصائبة سياسياً." كان ليفي يهدف إلى موازنة ما اعتبره نقداً عنيفاً لسارتر (الذي حوله بول جونسون لخطابة مثيرة للاشمئزاز) أن سارتر كان دوماً مخطئاً حيال الشيوعية. "على سبيل المثال"، أنشد ليفي، "سجل سارتر حيال إسرائيل كان نظيفاً: لم ينحرف أبداً وبقي مؤيداً مخلصاً للدولة اليهودية."

ميشيل فوكو وجان جينيه

لأسباب لن نعرفها قط، ظل سارتر على صهيونيته الأصولية. سواء كان ذلك بسبب خوفه من أن يوصم بمعاداة السامية، أو لأنه شعر بالذنب حيال الهولوكوست، أو لأنه لم يقدّر الفلسطينيين بشكل كاف، سواء الضحايا أو المحاربين ضد المظالم الإسرائيلية، أو لأي سبب آخر، لن أعرف أبداً. كل ما أعرفه أنه في شيبه مثلما كان دوماً وهو أصغر: خيبة أمل مريرة لكل عربي (غير جزائري) معجب به، بلا شك، كان برتراند راسل أفضل من سارتر، وفي سنواته الأخيرة (رغم كونه متأثراً - وكما يقول البعض - متلاعباً به بالكامل بواسطة زميل برينستون وصديقي السابق رالف شونمان) قد أخذ موقفاً انتقادياً من سياسات إسرائيل تجاه العرب. أظننا بحاجة إلى أن نفهم لماذا يميل الرجال العظماء وهم عجائز إلى الاستسلام لحيل الشبان الأصغر سناً، أو لقبضة المعتقد السياسي المتحجّر. إنها فكرة مثبطة، ولكنه ما حدث لسارتر. باستثناء الجزائر، لم يتحرّك لأجل القضية العربية، وسواء كان ذلك بسبب إسرائيل كلياً أو بسبب انعدام التعاطف-ثقافياً كان أو ربما دينياً-لا أستطيع القول. لقد كان مختلفاً في هذا الشأن عن صديقه ومعبوده جان جينيه*، الذي احتفى بعشقه الغريب والجياش للفلسطينيين بالاقامة المطوّلة معهم، وبكتاباته البديعة "أربع ساعات في صبرا وشاتيلا" و "الأسير العاشق."

مات سارتر في العام التالي للقائنا المُحبِط والقصير بباريس. أتذكر بوضوح كم حزنتُ على فراقه.

* ألف جان بول سارتر كتاب Saint Genet, comédien et martyr (القديس جينيه: الممثل والشهيد) للاحتفاء بعبقرية جينيه، وإثبات أن "العبقرية ليست هبة، بل ما يخترعه المرء من حلولٍ للخروج من الأحوال اليائسة".

نترجم هذه التعليقات (بتاريخ 22 يوليو 2000) على مقال إدوارد سعيد لرد سعيد عليها:

في منشوره حول لقاءه بجان-بول سارتر بباريس عام 1979، يتحدث إدوارد سعيد (لندن ريفيو أوف بوكس، الأول من يونيو) عن محادثة دارت بينه وبين فوكو حول تجنّب الأخير للنقاش معه حيال السياسة في الشرق الأوسط – وهذه الممانعة يرجعها سعيد إلى ميول فوكو المؤيدة لإسرائيل. ودليل سعيد على مأخذ فوكو من القضية الفلسطينية يتضمن "نميمة" سمعها من زميلة لفوكو بالجامعة التونسية عام 1967. زعم فوكو أنه غادر تونس ذلك العام مفزوعاً من أعمال الشغب المعادية لإسرائيل بعد حرب يونيو. ولكن مخبرة سعيد أرجحت أنه قد تم ترحيله بسبب نشاطاته المثلية مع الطلاب الشبان. يقول سعيد أنه ليس لديه أدنى فكرة عن أي من الروايتين هو الصحيح. وأنا كذلك لا أملك أدنى فكرة عن نية سعيد بالضبط من هذا الربط بين مثلية فوكو والصراع العربي الإسرائيلي. في آخر المقالة، يعلّق سعيد على "عشق جان جينيه الغريب للفلسطينيين". وهذا "العشق" قد لا يكون بهذه الغرابة، ولا العلاقة بين "النشاطات المثلية" والسياسة محيرة بهذا الشكل. لو أن الميول الجنسية قد أخذت بجدية أكبر هنا. يتأمل سعيد في شأن سارتر :"أظننا بحاجة إلى أن نفهم لماذا يميل الرجال العجائز من العظماء إلى الاستسلام.. لحيل الشباب". شخصياً، لن أستطيع التعبير عن المسألة بشكل أفضل، وسوف أضيف أننا بحاجة إلى أن نفهم التعقيدات والطرق المتناقضة التي تؤجج بها العلاقات الجنسية التعاطف السياسي (جينيه؟) أو تعوقه في حالات أخرى (فوكو؟).


ستيفن ماينارد
كينغستون، أونتاريو



يستشهد إدوارد سعيد بثلاثة من السير الذاتية الحديثة لفوكو، لم تذكر أيّها شيئا عن هروب فوكو العاجل من تونس بسبب السياسات في الشرق الأوسط، أو عن ترحيله بسبب نشاطاته المثلية مع الشبان. من المؤكد فرضياً، أن غضب فوكو تجاه الهولوكوست جعله محباً-للسامية، مثل سارتر. لماذا يعتبرها سعيد وصمة عار لكليهما؟ لقد أخفق في شرح أسبابه.


مايكل باين
ليوسبرغ، بنسلفانيا


يهرع كل من ستيفن ماينارد ومايكل بين في ردودهما للدفاع عن فوكو، دون أي حاجة لذلك. أولاً، يبدو أن "باين" غير قادر على التفرقة بين "حب-السامية"، الذي لم أناقشه قط، والدعم غير المشروط لإسرائيل الذي أبداه كلا من سارتر وفوكو. وهذا الدعم هو ما علّقت عليه (دون أن أصم أي منهما بالعار) الذي، نظراً لآرائهما حول قضايا مماثلة (الجزائر وفييتنام، مثلاً) بدا لي غريباً. إسرائيل ليست إلا دولة، على كل حال، وكثير من مواطنيها، مثل كل اليهود في كل مكان، قد انتقدوا سياساتها تجاه الفلسطينيين. الشيء الذي لم يفعله سارتر ولا فوكو، وقد تجرّأت على وصف ذلك بأنه مخالف لطبع الاثنين.

ثانياً، قلت ببساطة إنني لا أعرف إن كان فوكو قد غادر تونس لأنه تم ترحيله لنشاطاته المثلية أو لمشاعره الشخصية تجاه أعمال الشغب المعادية لإسرائيل عامي 1967-1968، يشير "باين" إلى اثنين من السير الذاتية الأحدث التي لا تورد أي من الاحتمالين. في الواقع، يقول ديدييه إريبون في "ميشيل فوكو (1991)" أن فوكو كان غير مرغوب به في البلاد، وأنه قد رفض العودة إلى فرنسا. يناقش ديفيد ماسي في "حيوات ميشيل فوكو (1993)" هذه المسألة في صفحات عدة، ولكنه يتحدث في صفحة 205 تحديداً عن "مراقبة الشرطة"، تهديدات، إلخ. وبحلول أكتوبر 1968، يقول، "كان واضحاً أنه لم يعد ممكناً" لفوكو البقاء في تونس.

كاتب سير ثالث يدعى جيمس ميلر، قد ناقش المسألة معي بينما يعد كتابه الخاص. وبخصوص ما يشير إليه ستيفن ماينارد من "نميمة"، كان ذلك حديثاً لبروفيسورة في الفلسفة وزميلة لفوكو في نفس القسم، وقد استعان من كتبوا سيره الذاتية بشهادتها. أكرر أنني لا أملك أي معرفة حول أي من هذه القصص هو الصحيح. ولم أكن أربط بين مثلية فوكو والسياسة في الشرق الأوسط. لقد صدف فحسب أن إثنين من الكتّاب الذين أقدّرهم بشدة، فوكو وجينيه، بينهما فرق شاسع في المواقف تجاه القضية الفلسطينية.

إدوارد سعيد
نيويورك
24 أغسطس 2000


عبد الرحمن محمد (@SaturnianVerses) كاتب ومترجم من مصر، وصاحب مدونة الطعم المرّ للأغاني.

الخميس، 11 سبتمبر، 2014

بورتريه لديكارت


بورتريه ديكارت المنسوب إلى فرانز هولس

بروميثيوس

عادة ما يكون الفلاسفة عرضة للاتهام بالكثير من الخطايا. أكثرهم نفوذا، أي أفلاطون وأرسطو وجون لوك وشركاءهم، ما يزالون يجتذبون حشدا من الأعداء الذين ينقّبون في أعمالهم، بحثا عن أخطاء أو لشجب تأثيرهم على الفكر الغربي.

وفي أيّامنا هذه، فإن رينيه ديكارت، المفكّر الفرنسي من القرن السابع عشر والذي كثيرا ما يوصف بأنه مؤسّس الفلسفة الحديثة، يُعتبر كيس اللكم المفضّل.

ومن علامات اتساع نطاق تأثير هذا الرجل أنه صنع لنفسه الكثير من الأعداء، من بينهم علماء نفس ومدافعون عن حقوق النساء وعلماء أحياء ومدافعون عن حقوق الحيوان.

وكانت هناك ضربات أخرى وُجّهت له في الآونة الأخيرة أيضا. فطبيب الأعصاب أنطونيو داماسيو، في تقريره بعنوان "خطأ ديكارت"، هاجم فصل ديكارت العقل عن العاطفة. وفي تاريخ حقوق الحيوان، يوصف ديكارت باعتباره شخصا شرّيرا لادعائه أن الحيوانات ليست أكثر من مكائن متطوّرة وليس لها القدرة على الشعور بالألم. وقد كتب بمرح إلى صديق عام 1638 يقول: فتحت صدر أرنب حيّ ثم أزلت الضلوع لأرى القلب وجذع الشريان الأورطي".

أما بالنسبة للبيئة، فإن التصوّر الديكارتي عن قصّة الإنسان "يسمح لنا بأن نعتقد بأننا منفصلون عن الأرض"، كما يقول آل غور في كتابه الصادر عام 1992 بعنوان "الأرض في الميزان". بل إن بعض المفكّرين الماركسيين يعزون اغتراب العامل في ظلّ الرأسمالية إلى تأثير ديكارت.

في كتابه الجديد والصغير بعنوان "الفيلسوف والكاهن والرسّام: بورتريه لديكارت"، يحاول الكاتب ستيفن نادلر أن يضع ديكارت في زمانه ومكانه الصحيحين ويوضّح الأسباب التي جعلت منه النجم والمفكّر الساطع في زمنه، أو بعبارته هو - أي المؤلّف - أعظم فيلسوف في قرن مليء بالفلاسفة.

عَرْض نادلر لحياة ديكارت يبدأ بلوحة. فأشهر صورة لهذا الفيلسوف تُعزى تاريخيّا للرسّام الهولندي العظيم فرانز هولس، مع انه لا يوجد دليل يُثبت أن الاثنين التقيا. كان هولس ملتزما بإنجاز لوحات لرعاته فقط. ولم يكن هؤلاء مفكّرين، بل رجال أعمال أثرياء في الغالب.

هل من رسم هذه الصورة هو هولس فعلا؟ وإذا كان هو من رسمها، فهل من يظهر فيها هو ديكارت حقّا؟ وإذا كان هو، فأين التقيا وكيف؟

المؤلّف يبحث عن إجابات لهذه الأسئلة وغيرها من خلال إعادة بناء حياة ديكارت في هولندا التي أقام فيها طويلا ونشر عددا من كتبه المهمّة. وبحسب نادلر، فإن ديكارت ينتمي للثقافة الفكرية للعصر الذهبيّ الهولنديّ بقدر ما ينتمي لتاريخ الفلسفة الغربية.

ولكي يتحقّق من قصّة البورتريه، يباشر بسرد ثلاث قصص: قصّة ديكارت وقصّة الرسّام هولس وقصّة الكاهن الكاثوليكي اوغستين بولمارت الذي كلّف الفنّان برسم اللوحة.

هولس في البورتريه رسم شيئا بسيطا وسريعا بضربات فرشاة واسعة وقصيرة، رسم رأس ومنكبي رجل في منتصف العمر بشعر طويل فاحم وشارب وذؤابة صغيرة تحت شفته. كما أضاف له ياقة بيضاء مطويّة فوق معطفه الأسود، على طريقة القرن السادس عشر.

ويقال إن فكرة البورتريه، الموجود اليوم في متحف بكوبنهاغن والذي تمّ استنساخه مرارا، جاءت بناءً على طلب الكاهن بولمارت الذي كان صديقا حميما لديكارت. وقد أراد الكاهن أن يحتفظ بتذكار للفيلسوف قبل أن يغادر "أي ديكارت" هولندا حيث كان يعيش، قاصدا استوكهولم كي يدرّس الفلسفة لكريستينا ملكة السويد. وكان ديكارت يقيم في هولندا ابتداءً من عام 1629، وقضى معظم حياته فيها بعيدا عن أعين الكنيسة.

ولد رينيه ديكارت عام 1596م. وفي سنّ العاشرة حضر دروسا في إحدى أفضل الكلّيات اليسوعية في فرنسا. ومنها حصل على أفضل تعليم في الفلسفة الارسطية. وبكلمات المؤلّف نادلر، أتاحت له تلك الدراسة "الاطلاع على نظريات بالية علميّا عن الكون، ولكنها مقبولة دينيّا". وهذه هي الأفكار التي سينقلب عليها ديكارت في ما بعد.

وبينما يتمّ تذكّره اليوم على انه الفيلسوف الذي قال "أنا أفكّر، إذن أنا موجود"، فإن أعمال ديكارت هي أوسع وأهمّ من ذلك بكثير.

كان عالم رياضيات لامعا، وكتب على نطاق واسع في علم الأحياء والبصريات وعلم الكونيات.

في العلم، كان مشروع ديكارت الكبير هو استبدال تجريدات أرسطو بصورة آليّة للكون لا يمكن أن تُفسّر إلا من منظور المادّة والحركة والتأثير. وفي الفلسفة، كان يبحث عن نقطة من اليقين المطلق أو الأساس المتين الذي يمكن أن يقيم عليه منظومة فكرية جديدة.

ثمّ يقدّم المؤلّف شرحا لفلسفة وعلم ديكارت، ويعطي القاري لمحة عن طبيعة الحياة في العصر الذهبي الهولندي. كما يخصّص فصلا من الكتاب لتحفة ديكارت، أي كتاب "التأمّلات"، الذي يشبه كتاب "الحوارات" لأفلاطون وكتاب "ما وراء الخيروالشرّ" لنيتشه.

تأمّلات ديكارت تتكشّف في وقت متأخّر من الليل، وتبدأ وهو يرسم لنفسه صورة بينما يجلس إلى جانب المدفأة ويرتدي ملابس شتوية. انه يضع مشهدا مألوفا يمكن لأيّ قارئ أن يتخيّل نفسه فيه أيضا. في التأمّل الأوّل يقرّر أن ينبذ كلّ معتقداته التي يمكن أن يخالطها أقلّ قدر من الشك. وهدفه هو أن يكتشف حقيقة لا يمكن دحضها ويمكن أن يبني عليها أساسا لفلسفته الجديدة.

ديكارت لم يكن مجرّد فيلسوف بالمعنى الحديث للكلمة، بل يمكن فهمه أفضل كعالم. في هولندا نراه يتجوّل في الريف ويُجري تجارب على الدواجن ليرى كيف تتشكّل الفراخ الصغيرة، أو يشرف على عمل المزارعين المحليين وهم يذبحون الأبقار لكي يتمكّن من فحص نموّ صغارها.

الكنيسة لم تكن على وفاق مع ديكارت، بسبب حديثه عن الشكّ واليقين، ومن ثمّ اتهمته بأنه يريد تقويض الإيمان بالله. وبعد وفاته، وضعت السلطات الكنسية معظم كتاباته في خانة الكتابات الممنوعة. ومن الواضح أن رؤيته للأشياء لم تكن تتّفق مع تلك التي للاهوت.

بعد طول تفكير، قبل ديكارت دعوة ملكة السويد بالذهاب إلى الشمال المتجمّد. كان يكره البرد دائما. ولطالما قضى ليالي الشتاء مع الكاهن بولمارت في الاستماع إلى الموسيقى المبهجة.

وفي السويد، كان من عادته أن يبقى في سريره الدافئ حتى ساعة متأخّرة من الصباح. وقد أصيب بالتهاب رئوي وتوفّي بعد أشهر قليلة من وصوله إلى هناك.

صديقه بولمارت كان يستمتع بالنظر إلى البورتريه بعد أن فقد صاحبه. أما الملكة التي تعيش في قصر ثلجي، أي كريستينا، فقد اعتنقت أفكار معلّمها بعد موته. ومن جهتهم، قضى الفلاسفة ورجال الدين مئات السنين ودمّروا فدادين من الغابات ليكتبوا الكتب والمقالات الكثيرة التي تتحدّى فلسفته وتهاجمه وتحاول دحض أقواله والتقليل من جهده. "مترجم بتصرّف"

الكتاب: The Philosopher, the Priest, and the Painter: A Portrait of Descartes by Steven Nadler.
 
بروميثيوس (@prom2000) كاتب، وصاحب مدونتي خواطر وأفكار ولوحات عالمية.

الأحد، 20 يوليو، 2014

وصايا وخطايا



 سوسن بدر، السبع وصايا


هند هيثم


قبل الخواجة عبد القادر (٢٠١٢) كان من الصعب التفكير في عملٍ درامي يدور في إطارٍ صوفي ويعكس فلسفةً وممارساتٍ صوفية، يُعرَض في رمضان على جمهورٍ عام. كان التشدد الديني يُحرض ضد الصوفية، ولم تكن موضوعاً مُربحاً مالياً بما يُبرر إنتاج أعمالٍ تعتمد عليها. فيما، ازدهرت الصوفية أدبياً، وبدا أن شُهرتها ومكانتها قد تأكدت مع رواية قواعد العشق الأربعون ومستنسخاتها العربية، مما جعل الصوفية موضوعاً مُربحاً أدبياً، وأوجد شريحة من الجمهور مهتمة بالأعمال الصوفية.

بطبيعة الحال، من غير الواقعي القول إن عملاً مثل الخواجة عبد القادر قد كُتِب استجابة للجو المتبدل ناحية الصوفية - أو تنبؤاً به - غير أنّ جزءاً من المكانة التي حازها جاء لأنّ توقيته كان مُناسباً. الأمر ذاته ينسحب على مسلسل السبع وصايا الذي يقوم على فلسفةٍ وممارساتٍ صوفية، رغم أن مؤلفه يُنكِر ذلك.

قبل هذه الأعمال، كانت الصوفية تحظى بمكانة متميزة بوصفها التقليد الإسلامي الذي لا يُعادي الفنون، وله رصيدٌ فني - شعري خصوصاً - كبير. كانت السرديات الشعبية حول الصوفية في غاية البساطة، فهناك من رآها وثنية صرفة، ومن رآها فرعاً رحباً ولطيفاً من الفقه الإسلامي يمتلئ بالشخصيات الظريفة حاضرة البديهة التي تقول الشعر الغامض المليء بالإحالات والإشارات طوال الوقت، ورُبما تحتسي الخمر من حينٍ لآخر، وتضمن العفو على خطاياها الصغيرة لأنها تعرف الخطاب اللغوي المُناسب لحيازة الغفران الديني. ثمة عامل السرّانية الذي يُميز المراتب الصوفية، وهذا يجذب هواة التنظيمات السرّانية إليها بوصفها ظاهرة فلكلورية وتاريخية جذابة.

غير أن الخواجة عبد القادر والسبع وصايا كانا أيضاً ضربةً للفكر الصوفي، كُل واحدٍ منهما بطريقته الخاصة، وقد يكون السبع وصايا - بالذات - قد تسبب في إزعاج الكثير من المتصوفة بسبب الحمل الخُرافي الشديد الذي يجلبه إلى الجمهور العريض. في الوقت نفسه، فإن الصوفية قد جاءت مُناسبة تماماً للمُسلسل، لأن الصوفية ظاهرةٌ من ظواهر الدين الجديد الذي يشيع في العالم، ويجتذب طائفة كبيرة من هواة التنمية البشرية وقصص النجاح والكتابات التي تتحدث عن الوحدة الكونية، في الوقت نفسه الذي يرفضون فيه تحمل أي مسؤولية جمعية إزاء الشر في العالم. 

في الواقع، الأمورُ ليست بسيطة أبداً، ولا يُمكِن تعريفها بجُملٍ مُعممة. طروحاتُ المُسلسلين مُركبة، كما أن الطريقة التي يعملان بها معاً، ويتعارضان كذلك، عبارة عن سيرورة process من الصُعب أن تُجمَل في عباراتٍ مُعممة. وقد يكون من المُجدي محاولة تحليل المكونات المختلفة التي تكون هذه السيرورات.

بُنية الحكاية

الفنُ لا يتعلق فقط بمقولاته، وإنما بالكيفية التي يُعبِر بها عن هذه المقولات. لذا، فإن الكيفية التي ينبني بها المُسلسلان جُزء لا يتجزأ من مقولاتهما الكُلية. رغم الاختلاف الظاهري، إلا أن المُسلسلين يتشابهان في البُنية المُركبة: الخواجة عبد القادر يتعامل مع فضاءات زمنية مختلفة ومتداخلة، وإلى حدٍ ما مع امتداداتٍ جُغرافية مُختلفة. فيما يتعامل السبع وصايا مع قصصٍ متداخلة تمتد على فضاء مكاني واسع نسبياً. في أحد العملين، فإن الزمان متعددٌ وواحد في الآن ذاته، وفي الآخر فإن المكان مُتعددٌ وواحد في الآن ذاته. وإذا لجأنا إلى الفيزياء النظرية التي قد تنحو منحى فلسفياً - ورُبما صوفياً - فإننا نعيش جميعاً في الزمان، لا المكان، والمكان بحد ذاته ليس إلا نقاطاً مُحددة في الزمان، بناء يُبنى في الفراغ الذي يحكمه الزمان. (١)

يحيى الفخراني: هربرت دوبرفيلد في لندن

يبدو الاختلاف الأكثر تجلياً بين العملين تعدد الشخصيات: في الخواجة عبد القادر، فإن المسلسل يدور حول شخصٍ واحد، هربرت دوبرفيلد الذي يتحول إلى الخواجة عبد القادر (يحيى الفخراني). في السبع وصايا، فإن للحكاية سبعة أبطالٍ رئيسيين هُم الإخوة، وأبوهم سيد نفيسة، وطيفٌ واسع من الشخصيات التي ترتبط بحكاية كُل أختٍ أو أخ. مع ذلك، يُمكِن القول إن هربرت دوبرفيلد لم يكن واحداً، فهو في لندن شخص، وفي السودان شخص، وفي صعيد مصر شخص. في رحلة دوبرفيلد من اليأس العدمي إلى القداسة، فإنّه يمر بمراحل تحولٍ كبيرة يصعب معها القول إنّه الشخص نفسه طوال الوقت. ولعل هذا ينطبق على جُلِ الشخصيات في قصصِ التحول المشابهة، وإلى حدٍ كبير، فإنّه ينطبق على البشر في الحياة الواقعية. غير أن الإسراف في تشظية الفرد الواحد قد يقود إلى محو هذا الفرد كُلياً.

الأشقاء السبعة

في السبع وصايا، تعدُد الأفراد واضح، وليس ثمة نفوسٌ مُتشظية ظاهرة كما في حالةِ الخواجة عبد القادر، باستثناء هند نفيسة (آيتن عامر) وصبري نفيسة (محمد شاهين)، اللذين يُفترض أنهما كانا الأخوين الأكثر تقوى وقُرباً إلى الله، وقد تحولا تحولاتٍ لا تليق بما كان لهما من سابقةٍ في التقوى. تحول الأخوان في تغريبتهما تحولاتٍ يظهر فيها جلياً الفِكر الذي يقضي بأن الشر عشوائي، وإنّه قوي وقادر. وتتحول تقوى الأخوين السابقة إلى نوعٍ من تأنيب الضمير الخانع - من باب تحصيل الحاصل - حيال الأخطاء التي يرتكبانها، فتركيبة الأخت المقوية للرجال تقتلهم، والأخ يعمل قواداً ويتزوج من أربعٍ من نساء الكار - ويعشق خامسة، في ما يُكوِن "حرملك" صغيراً، والحرملك عاد ليكون جزءاً من الدراما العربية.

 آيتن عامر: هند نفيسة

ثمة أيضاً سيد نفيسة (أحمد فؤاد سليم) ذاته، الرجل المريض للغاية، الذي أتعب ابنته الكُبرى بمرضه وخدمتها له، ولم يكن رجلاً طيباً ولا حسن السيرة، بل إنّ بوسي (رانيا يوسف) تعتقد أنّه قد قتل أمها. الأبناء السبعة يعيشون في فقرٍ إما كفاف وإما مُدقع، ويبدو أنهم ينحدرون من أسرةٍ يُنظَر إليها باحتقارٍ في مُحيطها، أي أنهم يعيشون حياة ذلةٍ ومسكنة - باستثناء محمود نفيسة (صبري فواز) الذي يملك محلاً صغيراً يجعله أفضل حالاً من إخوته، مع أنهم جميعاً في حالٍ من الفقر المُدقع والهوان. فجأة، تكتشف بوسي أن لسيد نفيسة ثمانية وعشرين مليون جُنيه. لماذا كان لدى سيد نفيسة هذا المال؟ ولماذا لم يُطعم أولاده منه؟ ويُشكل اكتشاف هذا المال الدافع الرئيسي للإخوة لقتل أبيهم.

سيد نفيسة طريح الفراش

نصيب الفردِ منهم من التركة سيتفاوت بحسب تقسيم الإرث في الإسلام، وبشكلٍ عام، فإن ما سيحصلون عليه ليس مبالغ طائلة في حد ذاتها، بل طائلةً قياساً إلى فقرهم المُدقع. هل تكفي خمسة ملايين جُنيه ليقتل الفرد أباه؟ الواقع يقول إن هذا مُمكِن، بل إن أقل من هذا قد يدفع الأبناء لقتل آبائهم. بغض النظر عن الواقع خارج المُسلسل، فإنّه يُلمِح إلى أن قتل الأبناء لسيد نفيسة - أو قتل بوسي (رانيا يوسف) له تحديداً - يأتي بسبب حياة الذلة والمسكنة التي فرضها عليهم، وبوصفه نوعاً من الانتقام للأم الغائبة. ثمة، كذلك، البديهية المتعلقة بأنّه إذا لم يُقتل سيد نفيسة، فليس هُناك مُسلسل. مقتل سيد نفيسة هو الحدث المؤسس للدراما في السبع وصايا، ولا مناص منه.

بوسي وسيد نفيسة

غير أن جثة سيد نفيسة تختفي، ومن هُنا تبدأ لُعبة الجثث التي تظهر وتختفي في المسلسل. هذا الجانب مُشوش في المُسلسل، ورُبما تفسره الحلقة الأخيرة. فإذا كان اختفاء جُثة سيد نفيسة علامة على قُدسيته، فماذا عن اختفاء الجُثث الأخرى؟ هل القتلى الآخرون قديسون أيضاً؟ (أو أولياء) وإذا كان سيد نفيسة هو من أخفى جُثته وجُثث الباقين؟ وإذا كان هذا ما حدث فعلاً، فأين يضع هذا سيد نفيسة؟ أفي مراتب القداسة أم مراتب الدنس؟ (وهذه مُشكلة قروسطية، سواء في الصوفية الإسلامية أو في الأنظمة المُشابهة لها في المسيحية، فإذا تشابهت كرامات الأولياء ومعجزات القديسين مع أفعال السحرة والمتصلين بالشياطين، فما الذي يُفرِق القديس أو الولي عن الساحر والشيطان؟ ومن أين تأتي هذه "الكرامات"؟ أمن الله أم مِن الشيطان؟ بطبيعة الحال، الإجابة للمدارس المُعادية للصوفية وما شابهها واضحة وضوح الشمس، غير أنّ هذه أسئلة إشكالية داخل الإطار الفكري الذي يقبل الكرامات والخوارق).

سيد نفيسة على عرشه غارق في الظلمات

في كُل الأحوال، فإن سيد نفيسة يتحول إلى ميتا-بطريارك meta-patriarch يتحكم بذُريته تحكماً مُطلق عن طريق الأحلام، وعن طريق الوصايا التي يُفترض أنّه تركها لهم، بشكلٍ يُماثِل ما وصفه بيير بورديو في الهيمنة الذكورية بأنّه قُدرة البطريارك التنبؤية بمستقبل أولاده، الأمرُ الذي يظهر في أكثر صوره عادية وعمومية في عباراتٍ من قبيل: "تِفِ على قبري لو فلحت". ويتجلى في أكثر صوره تطرفاً في حالة الميتا-بطريارك سيد نفيسة، الذي يتنبأ بأن أولاده سيقتلونه، ويترك لهم الوصايا التي ينبغي عليهم تنفيذها ليجدوه في النهاية - أو يجدوا جثته. تحكم سيد نفيسة في حياة أبنائه بعد مماته (المُفترض) تحكمٌ مُطلق، يُظهره المُسلسل في هيئته جالساً على العرش الذي يُخاطِب منه أولاده. ومن موقعه على العرش فإنّه يُملي أوامره على أبنائه. شكلُ العرش يوحي بالذات الإلهية، غير أن الالتباس بين المُدنس والمُقدس يظهر من جديد في هذه الصورة.

سيد وهند نفيسة

في أحد مشاهد المسلسل، يتخيل مُنصف نفيسة (هيثم زكي) نفسه على العرش، وقد تحول إلى ميتا-بطريارك هو نفسه. وفي مشهدٍ آخر، يتخيل أحمد عرنوس (وليد فواز) أن الشيخ الذي صرف العفاريت عنه (علاء زينهم) يجلس على العرش وقد تحول هو أيضاً إلى ميتا-بطريارك. مُنصف نفيسة يعتقد في نفسه الكفاءة ليخلف أباه، فيما عرنوس (يشتري) نوعاً من البطريارك لأنّه لا يملك تصوراً ذهنياً لماهية البطريارك، ولا يؤمن بسيد نفيسة. رؤية الميتا-بطريارك على العرش تتطلب الإيمان به، وفي حينِ يُمكِن صرف هذه الرؤى جميعها على أنها خيالات ضالة يرى فيها كُلٌ انعكاساً لمخاوفه وهواجسه وتحقيقاً لرغباته الداخلية، (نصائح سيد نفيسة نصائح لا تقود إلى الخير عموماً)، فإن هذه الصور تُظهر أيضاً الإزدواج بين القداسة والدنس، وبين الخوارقي الخالص - الوصايا - وبين انعكاس الذات. وفي حالة عرنوس وشيخه، فإن شيخه قد يكون القوة المضادة لقوة سيد نفيسة (القُطب المضاد)، الذي يهدم ما يريد سيد نفيسة بناءه - لأنّه يُريد اعتقال أبناءه وإعاقة تنفيذ الوصايا. الشيخ نفسه مثل سيد نفيسة، فرغم أنّه يُخرِج الجن، إلا أن عمله الدنيوي لا يضعه في مراتب عالية بين الناس. الشيخ، مثل سيد نفيسة، يجمع ما بين القدرة الخارقة وضِعة المنزلة خارج الإطار الغيبي. ويُمكِن كذلك أن يستوعب سيد نفيسة - إذا كان قُطباً أعظم - منزلة الشيخ ضمن أغراضه، فهو لا يهدف لحفظ أولاده فحسب، وإنما للانتقام منهم ومعاقبتهم على قتلهم إياه. (وهذا يقود إلى السؤال الدنيوي البسيط الذي يُحرِك المسلسل: من أرسل الرسالة التي حركت الأحداث؟ وكيف صار الأبناء في غاية التأكد من أن أباهم الذي أمضى سنين مريضاً يملك هذا المال؟ ثُمَ هُناك سؤالٌ يتعلق بالخيارات المظهرية للمسلسل، فمظهر سيد نفيسة المريض لا يختلف في شيء عن مظهره وهو جالسٌ فوق العرش. فلا هو كان يوحي باقتراب الموت في رقدته، ولا هو يوحي بالصحة والقوة على عرشه.)

بالعودة إلى الفكر القروسطي من جديد - وهو فكرٌ يظهر في الصوفية - ثمة شخصية ملك العالم Rex Mundi، ملك العالم ليس المهدي المُنتظر أو المسيح أو شخصيةً إيجابية بشكلٍ عام، بل إن ملك العالم، الذي يستقر عرشه في محور العالم، هو الطاغوت، مُتجسداً في هيئاتٍ مُتعددة بشرية وغير بشرية. قد يكون سيد نفيسة، البطريارك الجالس على عرش العالم بالنسبة لأولاده، صورةٌ من صور ملك العالم، وتجلٍ من تجلياته.ولكون الميتا-بطريارك من تجليات الطاغوت، فإنّ الطاغوت يجتر السرديات الكبرى التي يعمل وفقها الميتا-بطريارك ويعيد إنتاجها في إطارٍ يقوم على التناقض والمفارقة.

القداسة والدنس

في الخواجة عبد القادر، ليس ثمة التباس بين المُقدس والمُدنس، والحالتان لا توجدان في الوقت ذاته في التجلي ذاته. المُدنس والمُقدس يتعاقبان في الشخصيات: الخواجة عبد القادر من سكير عربيد يُريد الانتحار إلى ولي صالح له بركات وكرامات، من مُدنس إلى مُقدس. هذه الرحلة تتكرر - وإن بشكلٍ أقل قداسة - في قصتي صابر الأعمى (حسن العدل)، القاتل التائب، وشهوية (سماح السعيد)، البغي التائبة. وكلاهما لا يتحول إلى قديس، لكنهما يموتان شهيدين. ثم هُناك الشر المُتجلي، ملك العالم، عبد الظاهر عمران (أحمد فؤاد سليم، مُجدداً). عبد الظاهر عمران يقول إنّه ملكٌ في أرضه، ورغم أنّه يتصرف خارج حدود الميتا بطريارك الخُرافية، سردية البطريارك الكُبرى، فإنّه يسلُك السلوك الذي يُنسب إلى ملك العالم، إلى الطاغوت. وفي الحالتين (عبد الظاهر عمران وسيد نفيسة)، فإنّ الشخصيات المُحيطة به تُهادنه ولا ترفضه. صحيح أن أبناء سيد نفيسة يقتلونه، لكن فعل القتل يتحول إلى فعل تحرير لسُلطته المُطلقة إزاء تسليمهم الكامل بسيطرته عليهم من مملكته الخوارقية. الحاج عبد الظاهر عمران شريرٌ أقل خوارقية وأكثر وضوحاً، إنّه بطريارك صعيدي تقليدي يتحرك وفق رؤيته للعالم المحكومة بالتقاليد الموروثة وتفسيره الشخصي لها. لسيد نفيسة مظلومية كونه قتيلاً، ولعبد الظاهر عمران مظلوميته الخاصة، ففي نظره هو ضحية لأخيه الذي يفعل العيب باستمرار، ولأخته زينب (سلافة معمار) التي لا تفهم العادات والتقاليد ولا تفهم مشاعره ناحيتها، وزوجته (سوسن بدر) التي لا تفهم حبه لأخته وتتهمه بأنّه "يعشقها عشق الرجال للنساء"، وهو ضحية لتسلط الخواجة عليه، التسلط الذي يبدو خوارقياً في إلحاحه، وينبع من "قدرٍ" يربط مصير زينب عمران بالخواجة عبد القادر دوبرفيلد. مع ذلك، فإن الخواجة وزينب لا يُرفضان سُلطة الحاج عبد الظاهر، وحين يرفض تزويج زينب للخواجة، فإنهما يستبدلانه بأخيها (محمد شلش)، البطريارك البديل، المُستبعد بسبب ما يشعر أن له مظلومية عند أخيه البطريارك الأكبر، تراتبية النظام تبقى كما هي من دون مساس.

عبد الظاهر والخواجة

وعبد الظاهر عمران، رغم أنّه شرير غير ميتافيزيقي، يستطيع إيقاع الأذى بشكلٍ يصلُ إلى حدود ميتافيزيقية، فهو يدفن شهوية حية، وهو يُحرق بيته أخته والخواجة وهما في داخله بعد أن يُسمِر عليهما الأبواب فلا يفران. أفعال ظُلم عبد الظاهر عمران شريرةٌ ومتجلية وشبيهة بالعقوبات السماوية إلى حدٍ يبدو معه سيد نفيسة مجرد شيطان هاوٍ، وإلى حدٍ تبدو معه قداسة الخواجة الولي هروباً أنانياً من عقوبة توراتية. عبد القادر لا يستطيع إلا أن يُنقذ نفسه وزينب - كما يُفترض - بترديد دُعاء: "يا حي يا قادر، فُك أسر عبد القادر"، ولكون الولي من أهل الخطوة، فإن الدُعاء ينقله آلياً إلى حيث يتجلى لصديقه القديم فضل الله (عبد الخالق عمر). الخواجة عبد القادر لا يستطيع إنقاذ التائبين على يديه، شهوية وصابر الأعمى، ولا يستطيع حتى تحويل المظلومية التي وقعت عليهما وعليه إلى مظلومية جمعية لقرية الحورية تحثهم جميعاً على الانتفاضة. تدمير البطريارك، الحاج عبد الظاهر، يأتي من ذاته، فبسبب حُبه لأخته - الذي يبدو أنّه يدخُل في منطقة المُحرمات - وتركها له و(اضطراره) لإحراقها، يُصاب عبد الظاهر بنوبة اكتئابٍ حادة تتفاقم فتُعجزه. (في المُسلسل، فإن نهايته تظهر وكأنها ابتلاء ميتافيزيقي).

حريق بيت الخواجة

الأمرُ الذي يقود في نهاية الأمر إلى ظهور البطريارك التالي، يوسف عبد الظاهر (صلاح رشوان). يوسف عبد الظاهر مثل مُنصف نفيسة، يُريد أن يجلس محل الأب ويكون البطريارك. مُنصف نفيسة - بخلاف يوسف عبد الظاهر - من أكثر الشخصيات الباعثة على الشفقة في المُسلسل، فهو يحسب نفسه السوبرمان: الرجل القوي البدن، قوي الهمة، الداهية الذي يُخطط لكُل شيء ولا تفوته فائتة، وفحل الفحول. في واقع الأمر، مُنصف نفيسة مُجرد شرير ثانوي، وتابعٍ للدُكش وحمدتو وماجدة (محمود حافظ وخالد كمال وشيرين الطحان) يوهم نفسه بما ليس واقعاً. ومن بين الإخوة، فإنّه أكثر فردٍ موهوم بنفسه، يعتقد في نفسه أنّه الذكر المثالي الكامل. (يُركِز المُسلسل على "ذكورة" أبناء سيد نفيسة، من حيث قُدرتهم الشديدة على التناسل، ودورهم في المسلسل الذي يُشكل التناسل جزءاً كبيراً منه، سواء في محمود نفيسة الذي يُتاجر بنسله، أو منصف نفيسة الذي يقتل/يُنشئ ولده، أو صبري نفيسة الذي يستجيب لزوجاته ويكاد يكون المُنشئ لسُلالة من أولاد البغايا. من بين الإخوة، يبدو صبري نفيسة الأشبه بشخصية داريل فان هورن الذي يزرع بذرته في ثلاث نساء في ساحرات إيستويك (خصوصاً، الفيلم الذي كان جاك نيكلسُن فيه داريل فان هورن)، لكن تعدد الشريكات/الأبناء أمرُ ينسحب على محمود نفيسة كذلك. ينفرد صبري نفيسة بين الإخوة بكونه صاحب جاذبية فريدة تغوي النساء الأكبر سناً، ومنهن علّيَة (سلوى عثمان) التي صارت "صريعة" هواه. بشكلٍ عام، فإن الإخوة يُمثلون ما يُمكِن تسميته "الفحولة السحرية"، وهذا trope أو مجاز سردي يحكم المسلسل، ويُقابل الحبل الغامض mystical pregnancy).

يوسف عبد الظاهر ينجح في أن يصير البطريارك. وهو بطرياركٌ مُنذ بداية المُسلسل، في زمانه الخاص. ولأنّه قد شَهِد نهاية أبيه الكئيبة، فإنّه يُحاول تجنّب مصيره بشدة. في الوقت نفسه، فإنّه يستلهم أسطورة أبيه، "الملك في أرضه"، ويحكم قرية الحورية بقبضة حديدية مُشابهة لقبضة أبيه، مُستلهماً مثاله وتُراثه (قدر الإمكان، لأنّه لم يعد يستطيع تنفيذ أحكام الجلد والربط إلى جذوع النخل كما كان أبوه يفعل، بسبب وجود المُهتمين بحقوق الإنسان ممن سيُسببون له الصُداع). يوسف عبد الظاهر مُقتنع اقتناعاً تاماً بأن كُل شيء يتغير ويتبدل إلا الصعيد، وهو موهوم مثل مُنصف نفيسة، فهو يستلهم السردية الكُبرى لأبيه وأجداده، ويُعيد إنتاجها، ثُم يتساءل - ببراءة - عن السبب الذي يجعل آل عبد الظاهر عمران يلقون الخراب، فأخوه يكرهه كما كان عمه يكره أباه، وابنه صار مجنوناً كما كان أبوه مجنوناً. ما الذي يحدث؟ ما اللعنة الخوارقية التي حلّت بآل عبد الظاهر عمران؟ يوسف عاجز عن إدراك دوره في المأساة التي يجد نفسه فيها، وعاجز عن إدراك أن لصوصيته وظُلمه شبيهة بلصوصية أبيه وظُلمه، وأن ما يحدث لآل عبد الظاهر هو أجر الطاغوت النهائي: الخراب.

مع أن حُب عبد الظاهر لأخته زينب مسألةٌ مُقبضة، تحوم حول التابو حتى توشك أن تقع فيه، إلا أنها تتعلق بعاطفة غامضة وقوية، عاطفة تكاد تكون الأمر الوحيد في المسلسل الذي يجمع القداسة والدنس في الآن عينه. في المُقابل، يحوم السبع وصايا حول فكرة زنا المحارم بشكلٍ أكثر فجاجة و(دنساً)، فمحمود نفيسة (صبري فواز) يوشك على أن يُحبّل أخته إم إم نفيسة (هنا شيحة). كلاهما لا يعلم بما يوشك أن يقع، وما يُلمِح إليه المُسلسل ويقود إليه لا يقع في النهاية، لكن شبح التابو الشديد هذا شديد الخُبث والدناسة. (ورُبما يكون إحالة إلى التابو المُفضل في المسلسلات الأمريكية هذه الأيام، وعلى كُل حالٍ، فإن بعض شخصياتِ السبع وصايا مأخوذ من شخصيات في مسلسلات أمريكية).

والحبل دنسٌ في السبع وصايا بشكلٍ يجعل من إنجاب الأطفال فعلاً مُهيناً للكرامة. ثمة دوران حول ثيمة "الحبل الغامض" mystical pregnancy في المُسلسل، فقصص النساء إما تدور حول الحبل، أو التخلص منه وتبعاته، ورغم أن الصورة الأصلية لتروب الحبل الغامض تتطلب وجود عُنصر خوارقي، إلا أن التروب يبقى موجوداً في المُسلسل، لأن الرجال، أبناء نفيسة، الذين يلعبون دور الثيران المُلقحة يُمثلون نوعاً من الفحولة السحرية. ودلال (نسرين أمين) تحاول اجتراح مُعجزة الحبل بلا دنسٍ من جديد، فتغرق في الدنس، وتدخل في أحط أنواع التجارة. بشكلٍ ما، فإن دلال - التي تدعي أنها لا تفعل الحرام لأنها لم تمارس الفعل نفسه - قوادة. شحاتة (ابتهال الصريطي) تدعي أنها حامل لتحقيق أغراضها، وماجدة تتحول إلى صقوبةٍ لأنها فقدت جنينها وقدرتها على الحمل. ولكل امرأة حامل في المسلسل، ثمة امرأة أخرى تريدها أن تفقد حملها. وبسبب (كيد النسا) وخطأ طبي، فإن محمود نفيسة يقتل زوجته - لكن ابنه منها يولد. وبسبب كيدها الشخصي، فإن محسن الدسوقي (أحمد العوضي) يوسع بطن زوجته الحامل هند نفيسة ركلاً حتى إن الجنين قد تشوه، مع ذلك، فإنها ترفض التخلص من الحمل. في المقابل، تتآمر زوجات صبري نفيسة على زوجته الحامل (ألفت إمام)، لكنها لا تفقد جنينها. ويُقرر مُنصف نفيسة قتل ابنه بطريقة بذيئة تتفق مع تصوره عن ذاته.

عرنوس وإم إم

أوضح مثالٍ للحمل الغامض - الفاشل - استحضار أحمد عرنوس لاثنين من العفاريت كي يُحبّلا زوجته إم إم. (الفيل الأزرق؟) وحمل مرمر نفيسة (ناهد السباعي). وهذا كُله، من أكثر ما عُرِض هذا العام في قلة اعتباره للآدمية، حيث تتحول كُل الخطوط النسائية إلى خيط وعاء يُملأ ويُفرغ، وتتحول الشخصيات الرجالية إلى متبرعين - أو تجار - بما يملأ هذا الوعاء.

وسيد نفيسة - الذي لا يُحذر إم إم أو محمود من الكارثة التي كادت تقع - سعيد بأن أبناءه يحملون أطفالاً رُضع. هذا المشهد، من جديد، يستحضر المُقدس والمُدنس في الآن ذاته، فقد يكون سيد نفيسة صورة الإله/البطريارك الأول/الميتا-بطريارك وقد أمر البشرية بأن تتناسل وتكثر ذُريتها، وقد يكون سيد نفيسة الشيطان الذي يبتهج بشيوع ثمرة الدنس، ففي تقديم المُسلسل وتناوله، الحمل والولادة ليس إلا دنساً، وهذه فكرة متآصلة في النظام البطرياركي المتناقض بين حثه على التناسل واحتقاره لعملية التناسل.

تفاهة الشر

المُجتمع الذي يصوره الوصايا السبع ليس مُجتمعاً فقيراً، بل مُجتمعاً خسيساً. يُقال إن علياً ابن أبي طالب قد قال: "إذا حل الفقر بأرضٍ قال له الكُفر خُذني معك"، وقد تنطبق هذه الحال على المُجتمع الذي يصوره المُسلسل. الدوائر المُحيطة بالمُسلسل تتعامل مع هذه المسألة بطريقتين مُتناقضتين مما يخلُق نوعاً من التنافر المعرفي cognitive dissonance في تفسير المُسلسل: الفكرة الأولى تقول إن المُسلسل ليس مرآة المُجتمع، وإنّه "فنٌ خالص" ليس له علاقة بالمُجتمع خارجه، وهذه فكرةٌ متهافتة في أساسها (وكذلك فكرة "المرآة" متهافتة)، فالفن لا يوجد في فراغ، وهو عاملٌ يتفاعل مع المجتمع المُحيط، يؤثر فيه ويتأثر به، يَنتج عنه ويُعيد إنتاجه. هذا الفن في المُجمل، أما الفن الاستهلاكي - ومن العبث القول إن المسلسلات التلفازية ليست فناً موجهاً للمستهلك المنزلي بالدرجة الأولى - فهو فنٌ يوجه لجمهورٍ عريض، يُخاطِب هذا الجمهور ويستجيب لرغباته أو يوجهها. التلفازُ ومُسلسلاته أكثر الفنون جماهيرية - من حيث اتجاهه للجماهير العريضة - وشعبوية - من حيث كونه غير نخبوي، وبغض النظر عن الكيفية التي يُشاهِد بها المُشاهد الفرد المُسلسل، سواء شاهده على شاشة التلفاز أو نزلّه من موقع تورنت أو شاهده على يوتيوب، فإن المُسلسل - أي مُسلسل - مكتوبٌ ليُعرض على شاشة فضائية، يتخلل عرضه عليها إعلانات السمن والصابون وطلب الصدقة والشقق السكنية والمجمعات العمرانية الفاخرة. هذا مما يجعل من فكرة "الفن للفن" ضرباً من العبث.

الفكرة الأخرى يُعبِر عنها الكاتب بالقول إن قارئ صفحات الحوادث في السنوات الثلاث الأخيرة سيجد كمية من الشر تماثل ما في المُسلسل، ورُبما تتفوق عليها. هذه مُفارقة الفن/الحياة، فالحياة لا يحكمها نسقٌ واحد كما الفن، والفن لا يستطيع أن يكون عشوائياً لأنّه يتضمن عملية اختيار وحذف، وعملية بناء وهدم. الفن عمدي وقصدي بشكلٍ لا يُمكِن أن تكونه الحياة. وإذا سلمنا بأن الفن حُلية جمالية - الفن للفن حُلية جمالية أولاً وآخراً - فإنّ المُقترب الجمالي الوحيد الذي يوفره السبع وصايا هو الشادن.فرويده schadenfreude، المُتعة الخبيثة التي يبعثها في النفس تعاسة الآخرين وعرض الشرير والقبيح والشنيع. (والشادن.فرويده جُزء من جاذبية مُسلسلات رمضان في الأعوام الأخيرة). كذلك، لا يُمكِن فصل جو الدروشة والخُرافة والسحر عن الأجواء الخرافية التي تشيع في الحياة الواقعية، مثل الأحلام التي يُصلي فيها الصحابة بالسياسيين المحليين، أو الساعة الأوميغا، أو المخطوطات الفرعونية التي تتحدث عن (المُختار).

ثمة افتتانٌ قديم بالشر عند الفلاسفة والمتكلمين ومن تبعهم، وعند المُثقفين وأشباههم. هذا الولع بالشر في حقيقته ولعٌ تافه، لأن الشر موجود بشكلٍ دائم، يتعامل مع اليومي والخسيس والوضيع، ويرمي إلى كسبٍ آني قليل. الشرُ سهلٌ للغاية، والقيام به لا يتطلب أي شجاعة أو مسؤولية أخلاقية. والافتتان بالشر يضع النُخَب في مكان الرعاع، ويساويهم بهم، لذا وجب اختراع أنظمةٍ تُفرغ الشر من محتواه، والخير من محتواه، وتحولها إلى بُنى لغوية فارغة. لعله لهذا، يشيع دينٌ جديد في العالم.

يتحدث سلافوي جيجك عن ذيوع البوذية في الغرب. البوذية نوعٌ من الصوفية الشرقية التي تُجيز لشخصٍ أن يكون "روحانياً" في الوقت نفسه الذي يُثري فيه على حساب الملايين. البوذية توفر غطاء روحانياً - وفكرياً - للخواء، ولا تتطلب مسؤولية أخلاقية ولا شجاعة سلوك طريق الخير. قد لا تكون البوذية في أصلها كذلك، لكنها - بوصفها فلسفة - وفرت إمكانية التجهيل والفراغ هذه. الصوفية تلعب الدور نفسه في العالم العربي، فعودتها ليست عودة أدبيات استشهادية مثل أدبيات الحلّاج. (يُمكِن القول إن قصة الخواجة عبد القادر قصةٌ عن استشهاد الحلاج، وفيما كان استشهاد الحلّاج استشهاداً واقعياً، فإن استشهاد الخواجة مجازي، الأمرُ الذي يعود إلى الفراغ الذي يُميز عودة الصوفية). عودة الصوفية هي عودة البديل الإسلامي للبوذية، والبديل الإسلامي للديانات الفاشية الجديدة.

كُل نظامٍ فاشي أو نازي يعتمد على الخُرافة والدروشة، حتى لو اكتسى مظهراً علمياً - كما هي حالة النازية. ثمة حالةٌ من الهستيريا الخُرافية تُحيط التعامل مع الأجانب، والتجارب الطبية النازية لم تكن "علمية" صارمة، بل كانت سحرية وشامانية. الدين الجديد يعتمد دوماً على عناصر تاريخية، وعلى فلسفات موجودة أصلاً، ويدمجها مع الدروشات الشعبية، ومع الألاعيب الجماعية ليخلُق المُخدر الجديد للنُخَبِ قبل الجموع. ومُخدِر الصوفية يتعلق بالتجهيل: لُغة الصوفية لُغةٌ لا تهدف للإفصاح والإبانة، بل للإخفاء والتجهيل. الأمرُ نفسه يُمكِن مُلاحظته في إعلانات آبل، فالآيباد ليس جهاز حاسوبٍ لوحي له داراتٌ كهربية مُبرمج بطريقةٍ تجعله يستجيب للمس ويقوم بوظائف متعددة: الآيباد (سحر). آبل تُقدم (سحر) التكنولوجيا. غوغل تجلب نتائج البحث بلمسة (سحرية). ثمة تغليف للحرفة بالسحر، وهذا السحر يهدف إلى تجهيل الجموع. هذه الحركة تُعبر عن نفسها في صورٍ متعددة: قصص (النجاح) التي باتت صناعة بحد ذاتها تعتمد على مُغالطة سردية محورية، وتعزل قصص النجاح الفردي عن ظروفها الاجتماعية والاقتصادية مُنشئة خطاباً مفاده أنّه بإمكان أي أحدٍ أن يكون ثرياً، وأنّه لا يوجد نظامٌ قمعي يُسيطر على منابع الثروة ويمنع إعادة توزيعها على المجاميع. الهدف من قصص النجاح هذه ليس إقناع الأفراد بأنهم يُمكِن أن يكونوا الشخص المُتخم بالمال القادم - بغض النظر عن أي تجارةٍ يُمارسها - بل استلال نقمة الجموع على تركيز الثروة: إن الثروة، مثلها مثل القداسة، مسألة سرّانية غامضة تُوهَب لأشخاصٍ مُصطفين - أو مُجتبين - بغض النظر عن فضائلهم الشخصية، فكما يقول ابن عربي: "فيا طاعتي لو كنتِ كنت مُقرباً/ومعصيتي لولاكِ ما كُنت مُجتبى". الطريقة التي تتوزع بها الثروة والقداسة طريقة اعتباطية داخل النظام الذي يستخدم هذه الاعتباطية ذاتها لحفظ نفسه، وللمجاميع فإن هذا يُفسَر تفسيراً مُقدساً فإمّا أنّه سحر (سحرٌ طيب) وإمّا أنّه هبةٌ ربانية لا دخل للعوامل المادية بها. والنظام يحرص على استبعاد كُل مُعترض مُستخدماً أدبياتٍ من قبيل: "ومن تفكر في الدُنيا ومهجته/أقامه الفكر بين العجز والتعب". (المُتنبي ليس مُتصوفاً، لكنّه كان من مُمارسي الدين الجديد المتحمسين)، أو - بالعودة إلى ابن عربي: "وما النور إلا في مُخالفة النُهى".

بطبيعة الحالِ، فإن هذه الفلسفاتِ بحد ذاتها أكثر تعقيداً وتفرعاً، ونقاش هذه التفريعات والتعقيدات لا يُهِم أغراض المقالة، المُهِم كيف تعمل آلية "التجهيل" بوصفها جزءاً من الدين الجديد، فالخلاص فردي دوماً، لا جمعي. والأشعار الصوفية توفر ألعاباً عقلانية للمتعلمين الذين ينشغلون بمحاولة تفسير إشاراتها السرّانية، ويُعطيهم الإمساك بمعنى أو إشارةٍ باطنية نشوةً زائفة مفادها أنهم حازوا على علمٍ ما، معرفةٍ باطنية لا تُتاح لبقية الخلق. معرفة تقسم العالم إلى أهل حظوة، ومجاميع عمياء، بشكلٍ يُشبه ما يحدث مع نصوص ت. س. إليوت، إذ ينشغل المتعلمون بمعرفة الإشارات التي يزخر بها النص، فيما جوهر النص، المعنى الكُلي، يضيع، ومن يُفسِر الإشارات يستطيع أن يُقنع نفسه بأنّه يملك معرفةً سرّانية خاصة، لكن هذه المعرفة لا تُفيد.

اللا شيء المقدس

يُقال إن يوكيو ميشيما قد وصف اليابان بأنها "اللا شيء المُقدس" في ردٍ له على صحفي سأله عن سر غيابِ أي عناصر تراثية يابانية عن منزله. (٢) رد ميشيما قد يكون بداهةً حاضرة من كاتب ذلِق اللسان، إلا أنّه يمس جزءاً من حقيقة أن نظام الرموز والإشارات والتحولات اليابانية المُعقد يُشير إلى لا شيء آخر الأمر، وفي نهاية المطاف فإن آخر جملة في كتاب ميشيما الأخير تعفن الملاك كانت: "حديقة ساكنة تخلو من الذكريات". لا شيء مُقدس، من جديد.

يقول كاتب السبع وصايا، محمد أمين راضي، في مقابلة مع قناة العربية إن مسلسله ليس صوفياً، وإن زيارة الأضرحة ليست دليلاً على الصوفية، بل مُمارسة شعبية عامة. وإنّ نصه يدخل في باب الواقعية السحرية. الواقعية السحرية بدأت - ولا تزال في سوادها الأعظم - تجلياً للدروشة الصوفية الكاثوليكية. أي أنّه مُسمى للأمر نفسه. وما يُقال عن التجهيل الذي تُمارسه اللغة الصوفية يُمكِن أن يُقال عن التجهيل الذي تُمارسه "رمزية" الواقعية السحرية، فالواقعية السحرية لا تقاوم الظلم ولا تُقارعه، ولا تتحدث عن خلاص جمعي، بل إنها نوعٌ من الدروشة يهتم بالمصائر العجيبة التي لم تنشأ عن مظلومية واقعية بل عن تركيبة سحرية. الواقعية السحرية تُقدِم العجيب والفريد والمشوش والشنيع والجذاب، مثل عروض الحواة، بحيث تخلق "لا شيء مُقدساً" لا يُشير إلى أي شيء. لا يُحِق حقاً ولا يُبطِل باطلاً، ولا يُقدم غير الألاعيب اللغوية والسرّانية ذاتها للصوفية وللكلمات شبه التنبؤية.

يقول غابرييل غارسيا ماركيز - وقد ضاق صدره بمن ينتقدون الأساس المعرفي لعمله - إنّ التزام الأديب الوحيد أن يكتب "رواية جيدة". عندما يقول ماركيز "رواية جيدة" فإنّه يقصد الصنعة: هل هي رواية مكتوبة جيداً؟ هل هي رواية "جذابة"؟ وهو بذلك لا ينفي أن الواقعية السحرية ليست إلا ضرباً من الدروشة. كُتابٌ أمريكيون لاتينيون آخرون مثل روبرتو بولانيو ينتقدون الواقعية السحرية ويحملون عليها بشدة، لكن نقد روبرتو بولانيو للواقعية السحرية ناقصٌ لأنّه ينشغل بتوجيه الإهانات لكُتاب الواقعية السحرية الأفراد، عِوَض الإشارة إلى "لا شيء الواقعية السحرية المُقدس".

في روايات ماركيز ثمة أنواعٌ فريدة من الشخصيات الوحشية المُجرمة التي يجري تصويرها بوصفها شخصيات "جذابة"، حتى الرواية التي قرر فيها أن يُقارع الطاغية مُباشرة، خريف البطريارك (١٩٧٥)، عبارة عن تمرينٌ لغوي فارغ مثله مثل التمارين اللغوية التي توفرها الصوفية و"الأرض اليباب". الأمرُ نفسه يُمكِن أن يُقال عن إيزابيل آيندي - رغم أن لها التزامات مُعلنة بالقضايا الحقوقية - وماريو بارغاس يوسا - الذي ليست له التزامات حقوقية مُعلنة غير أنّه يلوم غابرييل غارسيا ماركيز لكونه جزءاً من حاشية الظلمة - وميغيل آنخل آستورياس وغيرهم. مما استوجب (رِدةً) عن الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية.

وخارج أمريكا اللاتينية فإن الواقعية السحرية لم تنجح إلا في استحضار المُغيّب دائماً، ومن ثم تجهيله أكثر وتحويله إلى "لا شيء مُقدس"، إلى تمرين لغوي فارغ، الأمرُ الذي يُمكِن مُلاحظته في آيات شيطانية (١٩٨٨). على سبيل المثال، التي حولت التقليد الإسلامي (الصوفي) إلى واقعية سحرية همشت المُهمش وغيبت المُغيب.

أنجح عُنصرٍ في مسلسل السبع وصايا - نجاحاً مُستحقاً - موسيقى المُقدمة والخاتمة لهشام نزيه. تستخدم الموسيقى واحدة من قصائد ابن عربي القصيرة "فلله قومٍ في الفراديس"، جامعةً بين الأناشيد الصوفية وبين الموسيقى الغربية سريعة الإيقاع. المؤلف يقول إن هذا التناقض بين النشيد الصوفي والموسيقى المُصاحبة له يهدف إلى فصلِ المُسلسل عن الصوفية، لكن هذه الحجة لا تنجح، لأن النظام الفكري الجامع للصوفية (والبوذية والشنتوية وبعض الممارسات السرّانية الكاثوليكية والجماعات الهرمزية) نظامٌ يقوم على جمعِ المُتناقضات في وحدةٍ واحدة (تؤدي إلى اللاشيء المُقدس الذي له أسماء عديدة)، والموسيقى تُدرِك هذا بذكاء وحذاقة.
 

جزءٌ كبير من جاذبية الموسيقى للجموع أنها غير مفهومة، يُمكِن تمييز بعض الهمهات، وكلمةٍ هُنا أو هُناك، لكن النص الكُلي نصٌ مُبهِم يجذب الناس مثل كلامِ الكُهان. (وهذه ظاهرة عالمية من ظواهر الدين الجديد، يوجد أوضح تمثيل لها في فريق +eRa+ الموسيقي الذي يُنتج موسيقى New Age تستوحي تقاليد النشيد الكنسي الغريغوري وتستخدم لغة مُصطنعة شبيهة باللاتينية، Pig Latin، لتخلق لغةً شبه تنبؤية). يُمكِن العثور على كلمات ابن عربي، ومحاولة تفسيرها، الأمر الذي يوفر اعتقاداً زائفاً - كما أسلفنا - بامتلاك معرفةٍ سرّانية، لكن الموسيقى في أصلها تهدف إلى تحقيق أثر التجهيل باستخدام اللغة نفسه، وتكاد تكون مثل "دوش وقت سحر آز غصة نجاتم دارند".

في المُقابل، تخلق اللغة الصوفية في الخواجة عبد القادر بُنية معرفية واضحة، إذ يُمكِن فهم كلمات الكورس بوضوح شديد من مُجرد السماع. وفي هذا، فإن الموسيقى تتضافر مع فكرة "هداية" الخواجة، فتُقدم الوضوح بعد إبهام، وتتحدث عن عشقٍ خالص (الذات الإلهية/زينب)، واعتزالٍ للناس بعد هذا العشق، من باب الاستغناء بالمحبوب عمّن سواه. (ومن باب اعتزال مُقارعة الظلمة)، مع ذلك، فإن النصَ مُحملٌ بالإشارة الأصلية، استشهاد صاحب النص، الحلّاج.


في الخواجة عبد القادر تضافرت عناصر الكتابة (كمال عبد الرحيم) والإخراج (شادي الفخراني) والتصوير (فكتور كريدي) والمونتاج (داليا الناصر) والإضاءة (والموسيقى (عمر خيرت) مع التمثيل لتُنتج عملاً مُكتملاً في ذاته (مع بعض التحفظات، إذ أن شادي الفخراني يُقرر أن يُقدم فقراً شديد الأناقة والنظافة، وهذا في حد ذاته خيارٌ يستحق المُناقشة بشكلٍ مُستقل).

في السبع وصايا فإن الاعتماد يقع على الكتابة (محمد أمين راضي) والتمثيل (المتفوق في مجمله) والموسيقى (هشام نزيه) والمقدمة.

كلا العملين يقع في مأزق الشكل الاستهلاكي الذي يحكم الدراما التلفزيونية، والشكل الممطوط الذي يحكم الدراما التلفزيونية العربية بالذات، فالمُسلسلات تُعرض في رمضان بشكلٍ يومي، لذلك، فإن المُسلسل الذي تكفيه عشر حلقاتٍ يجب أن يستمر لثلاثين حلقة، فيظهر المط والتطويل وتمديد الحبكة بما لا يحتمله الحدث.

بطبيعة الحال، فإن الفن - آخر الأمر - موضوع شخصي، والتزامات الفنانين الأخلاقية والفكرية وكيفية التعبير عنها - أو الامتناع عن التعبير عنها - يرجع لهم، لكن الفن - بعيداً عن صانعه - عُنصرٌ فعّال في استبطان الثقافة الفرعية ومن ثم تحويلها إلى ثقافة التيار الرئيسي للرأي العام. ولكُلٍ قراءته للكيفية التي قد يستجيب بها الجمهور للعمل، فهنا شيحة، مثلاً، ترى أن المُسلسل يناقش ظواهر الدروشة والغيبيات، الأمر الذي له وزنه واحترامه.

الدين الجديد سيستمر، وستظهر له ظواهر أخرى، سواء بالوضوح الشديد الذي يستعير عناصر صوفية - أو واقعية سحرية - بشكلٍ جلي مثلما حدث مع الخواجة عبد القادر والسبع وصايا، أو بطريقة أقل وضوحاً وأكثر تورية. السبع وصايا يوغل في كُل ما هو وضيع، ويحفل بالدروشة، والدروشة والوضاعة لن يُنتجا إلا المزيد من الدروشة والوضاعة، مما يُركِس البشرية إلى أصولها غير الـ"إنسانية". الأمرُ الذي يتنبأ به بطريارك الواقعية السحرية، غابرييل غارسيا ماركيز، عندما يقول إن آخر نسل بوين ديا له ذيل خنزير.


(١) باري باركر، السفر في الزمان الكوني، ت. مصطفى سليمان، م. جلال عبد الفتاح، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٩.
(٢) مارغريت يورسنار، ميشيما: رؤيا الفراغ، ت. بسام حجار، بيروت: دار التنوير، ١٩٨٤.

هند هيثم (@HindHaitham) كاتبة من اليمن، وصاحبة مدونة تصدعت المرآة.